"بوليتيكو": نابولي ماتت.. كيف تُفرغ السياحة المفرطة المدن الإيطالية من رونقها؟
تتزايد أعداد الزوار الذين يغمرون السكان المحليين، ما يجعل المساكن نادرة ويزيد من نسبة التلوث ويؤدي أيضاً إلى إخلاء الكنائس.
-
"بوليتيكو": كيف تُفرغ السياحة المفرطة المدن الإيطالية من رونقها؟
صحيفة "بوليتيكو" الأميركية تنشر مقالاً يتناول أزمة السياحة المفرطة في مدينة نابولي الإيطالية وتأثيرها على المجتمع والمدينة.
المقال يوضح كيف أنّ السياحة المفرطة تعيد تشكيل نابولي لتصبح "مدينة زائفة" مخصصة للسياح أكثر من كونها مكاناً للعيش، وسط تحذيرات من أن غياب التخطيط السياسي والبدائل قد يقود إلى أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق في المستقبل.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
يُعدّ شارع فيا دي تريبيونالي، المليء بالمطاعم والمتاجر، أحد أكثر شوارع نابولي ازدحاماً. وفي أحد أزقته الجانبية، ينتصب تمثال برونزي لبولشينيلا، المخادع الذي لطالما مثّل رمزاً للمدينة. في موسم الذروة، قد يمتدّ طابورٌ لفرك أنفه لمسافة نصف كيلومتر، بينما يسعى السياح وراء طقوس نابولي القديمة لجلب الحظ السعيد. لكنّ السكان المحليين يدركون أنّ هذا التقليد زائف.
شُيّد التمثال في عام 2010، ولم يكترث له سكان نابولي على الإطلاق. وعندما اكتشفه المؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة ونسجوا له قصةً شعبية، لم يعد يشعر أي سائح بأن رحلته إلى نابولي مكتملة من دون زيارته. وقد أصبح تقليداً محلياً من دون اعتراف السكان المحليين، ومثالاً جيداً على ما تفعله السياحة المفرطة بالمدن الإيطالية.
وقال عالم الاجتماع والناشط فرانشيسكو كاليتشيا، الذي يعيش في حي سانيتا الشعبي ويعمل فيه: "لقد اندثر المركز التاريخي لنابولي، ولم تعد هذه الشوارع حيّة. لم يبقَ أحد من سكانها الأصليين، ولم تبقَ فيها حياة حقيقية. وأصبحت مدينة تضمّ ملاعب ومراكز تسوق مفتوحة".
وبينما كان يحتسي قهوته في شارع فيافوريا، خارج منطقة الجذب السياحي مباشرةً، لاحظ رجلاً عاري الصدر يمشي بهدوء ويجرّ حقيبة سفره في منتصف الشارع. فقال كاليتشيا، وهو ينظر إلى الرجل الذي يقطع الشارع: "تكمن المشكلة في أن هذا النوع من السياحة لا تتم إدارته أو مراقبته".
تعاني مدن إيطالية كثيرة من الضغوط نفسها، لكن مدينة نابولي - بتاريخها المُعقد وأهلها الصريحين- تُقدّم حالة مميزة تُجسّد هذه التجربة. ويقول الناشطون والعمّال والخبراء والساسة المحليون إنّ السياحة المفرطة تعمل على تفريغ نسيج المدينة – وعلى الرغم من أنه يتم الترويج لها في كثير من الأحيان باعتبارها مصدراً للمال والوظائف، فإنهم يرون أنها تزيد من ثروة الأغنياء بدلاً من ذلك.
أزمة الإسكان
يُعد التأثير على الإسكان إحدى الطرق الرئيسة التي تسهم بها السياحة في إعادة تشكيل مدينة نابولي. وفي هذا السياق، تقول كيارا كابريتي، عضو المجلس البلدي والعضو في جمعية "ريستا أبيتانتي" (Resta Abitante) التي تدافع عن الحق في المسكن، بينما كانت تبحث عن طاولة مجانية في ساحة سان دومينيكو المزدحمة بالسياح: "لقد شهدت الإيجارات قصيرة الأجل نمواً كبيراً في نابولي، تماماً كما هي الحال في المدن الإيطالية الأخرى".
في بعض الأحياء الشعبية، يوجد نُزُل واحد لكل 3 منازل. ويقول إيفان أفيلا، خرّيج قسم التخطيط الحضري: "لو كان هذا الأمر يحدث في الأحياء الأكثر ثراءً، لكان من المحتمل أن يتحمل السكان المحليون ارتفاع الإيجارات والتكاليف. لكن في الأحياء الأكثر فقراً، يكون التأثير أشد وطأة. فالمنطقة لا تزال فقيرة، لكنها أصبحت وجهة سياحية". والنتيجة هي تهجير السكان، و"قد شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات الإخلاء".
جوزيبي جيغليو، عامل إغاثة يعمل أيضاً كمرشد سياحي في نابولي، هو واحد من بين الكثيرين الذين تم طردهم بسبب الزيادة السكانية الكبيرة. في عام 2023، أخبره مالك الشقة أنه سيحوّلها إلى مشروع تجاري مدعوم بأموال الدولة لتعزيز الاستثمار في جنوب إيطاليا. فقد بدا للمالك أن طرد جيغليو وتحويل الشقة إلى إيجار قصير الأجل أسهل وأكثر ربحية.
وقبل انتهاء فترة إشعاره، استيقظ جيغليو في أحد الأيام ليجد العمال يقومون بتمزيق أنابيب الغاز في الغرفة المجاورة. وقبل بدء دوامه، قال لنا عبر الهاتف: "لقد خسرت كل شيء وانتهى بي الأمر وقطتي بالعيش مع أصدقائي حتى أتمكن من الانتقال إلى مكان آخر. لفترة، كنتُ أعيش في الشارع حرفياً". لكن أكثر ما صدمه هو سرعة تحول المبنى بأكمله. وفي هذا الصدد، قال: "لا يزال هذا المبنى مسكناً لعائلات عاشت فيه لأجيال، لكن الكثير منهم يفتقر إلى الإمكانات المالية أو الثقافية لمواجهة مثل هذه المواقف. لقد تم تحويل 4 طبقات، كل منها يحتوي على شقتين، إلى مساكن للإيجار قصير الأجل أو أماكن للمبيت والإفطار أو سكن طلابي. وتم طرد السكان الدائمين واحداً تلو الآخر بشكل تدريجي لإفساح المجال أمام السيّاح والمستأجرين المؤقتين".
وخلال شرحها معاناة التعايش مع السياحة المفرطة، قالت غايا بورتولانو، التي تعمل في مركز معلومات سياحي: "سمعتُ ذات مرة عن امرأة نابولية مُسنّة كانت تعيش في وسط المدينة، ولم تستطع العودة إلى منزلها بسبب ازدحام الشوارع. فسمعها سائحٌ وهي تشكو، فقال لها إنها تعيش في المكان الخطأ".
وقالت كابريتي إنّ الضغوط على الإسكان في نابولي شديدة لدرجة أن مناقشات التخطيط الحضري المحلي تدور حالياً حول الاستثمار في الجزء الشرقي من المدينة المليء بالمناطق المهملة والمهجورة. وتتمثل الفكرة في "استعادة قابلية العيش المفقودة في المركز التاريخي من خلال بنائه في المنطقة الشرقية". من المفترض أن يتم ذلك عن طريق نقل السكان خارج وسط المدينة لإفساح المجال أمام السياح. ويرى مؤيدو الازدهار السياحي أن منصات مثل "Airbnb" يمكن أن تفيد أصحاب العقارات الصغيرة.
وفي عام 2023، قال أفيلا إن نحو ثلثي مُضيفي "Airbnb" يمتلكون أكثر من عقار واحد، وإنّ أفضل 5 مُضيفين يسيطرون على نحو 500 عرض. وأشار إلى أن هذا يعني أن أكبر مالكي العقارات هم شركات، وليسوا أفراداً. وعندما يكون المالكون أفراداً، فإنهم غالباً ما يكونون من مدن أكثر ثراءً مثل روما وميلانو. وأوضح كاليتشيا أنه "لا توجد إعادة توزيع للأموال محلياً"، وأنّ نابولي تُستخدم كبطاقة بريدية لإيطاليا بينما تتدفق الأرباح شمالاً أو إلى الخارج.
ومن الأمثلة اللافتة للنظر مبنى سكني قديم في الساحة المركزية في ريوني سانيتا. لقد رسمت شركة "لافاتزا" (Lavazza)، شركة القهوة العملاقة في تورينو، جدارية على واجهته، مزجت فيها بين اللهجة النابولية العامية وأسلوب فن الشارع الذي اشتهر في المدينة بفضل جداريات مشجعي كرة القدم، وأضافت رمز الاستجابة السريعة الذي يربط بموقع الشركة الإلكتروني. وفي هذا الإطار، قال كاليتشيا: "هكذا أصبحت نابولي. سوبر ماركت مفتوحة لشركات شمال إيطاليا التي تأتي إلى هنا وتستولي على أجزاء من أحيائنا".
لقد حاولت بعض المدن والمناطق الإيطالية تنظيم انتشار منصة " Airbnb"، لكن المسؤولين المحليين يقولون إن أيديهم مقيّدة بسبب غياب الدعم الوطني. ويزعم المنتقدون بأن حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لم تفعل شيئاً سوى أنها زادت الطين بلّة.
وقالت كابريتي، العضو في حزب المعارضة اليساري "Power to the People"، إن القوانين الجديدة تُسهّل عملية تجديد الشقق وتغيير الاستخدام المقصود منها. وأشارت إلى قانون صدر عام 2024، روّج له وزير البنية التحتية الحالي ماتيو سالفيني وتضمّن تدابير لتبسيط البناء والتخطيط الحضري.
بالإضافة إلى ذلك، قدّمت حكومة ميلاني طعناً في قانونٍ في منطقة توسكانا شمالي إيطاليا، يُجيز للإدارات البلدية، بالاتفاق مع المنطقة، تحديد المناطق التي يُمكن فيها وضع قواعد وقيود على الإيجارات قصيرة الأجل. وأشارت الحكومة المركزية إلى أنّ هذا القانون يُقيّد حرية الأعمال والمنافسة. وفي هذا الإطار، قالت كابريتي: "لا يوجد حتى الآن قانون وطني بشأن الإيجارات قصيرة الأجل، وهذا يُمثل مشكلةً واضحةً للحكومات المحلية. ولا يُمكن اتخاذ القرارات الفعلية إلا على المستوى الوطني".
من جانبه، أوضح جينارو أكامبورا، زعيم الحزب الديمقراطي المعارض في مجلس مدينة نابولي، قائلاً: "نحتاج إلى قانون وطني يحدد إطار العمل في المدينة". واقترح وضع خطط حضرية لتحديد نسبة قصوى للإيجارات قصيرة الأجل لمنع نزوح السكان.
المدن الزائفة
ينجذب الزوار إلى نابولي وإيطاليا لما يرونه أصالةً، حياة الشوارع النابضة بالحياة والجداريات الملونة وثقافة الطعام واستضافة أهلها. لكن مع ارتفاع أسعار السكن، تتآكل هذه الأصالة. ويصف النقاد بشكل مطرد مركز المدينة التاريخي بأنه "متجر مفتوح للوجبات الخفيفة"، حيث تنتشر الأكشاك التي تبيع الوجبات الخفيفة المتشابهة تقريباً. وتتكاثر سلاسل المطاعم العالمية، ما يدفع السكان المحليين إلى التساؤل عن عدد مطاعم البيتزا التي يمكن أن تتسع في شارع واحد.
وفي إشارة إلى أحد الشوارع الأكثر ازدحاماً في نابولي، قال أفيلا: "في شارع توليدو، وعلى مسافة 46 متراً، لم يكن هناك سوى مشروع تجاري واحد مرتبط بالطعام في عام 2015. وبحلول عام 2023، بات هناك 5 مشاريع تجارية - مشروع واحد كل 9 أمتار". وقد أدّى هذا الانتشار الواسع للمطاعم إلى تهجير معالم محلية مهمة. فاستُبدلت مكتبة "بيرونتي" في ساحة دانتي، حيث كانت أجيال من الطلاب تشتري كتبها المدرسية، بحانة.
وقد حاولت سلطات المدينة الحد من طفرة المطاعم من خلال السماح بإنشاء مطاعم جديدة في حالات محددة فحسب، كأن تقدم خدمات تتجاوز الطعام. كما أدى ازدهار السياحة الغذائية إلى تفاقم تحديات إدارة النفايات طويلة الأمد. إذ تتراكم عبوات الوجبات الجاهزة للاستخدام مرة واحدة في الشوارع، ويترك الزوار معظمها. واشتكى كابريتي قائلاً: "لقد بات من المستحيل اليوم المشي في الكثير من الأحياء من دون أن تُزعجك رائحة القلي المستمرة".
علاوة على ذلك، يسهم هذا التحول في تمزيق النسيج الاجتماعي. فقد تم دفع مُشرّدي المدينة، الذين كانوا يوماً ما جزءاً لا يتجزأ من وسط نابولي، إلى أحياء أخرى. وفي هذا الصدد، يقول أدولفو باراتا، أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة روما تري بروما: "ماذا لو ركّبتُ مقاعد غير مريحة أو أزلتُها تماماً؟ فجأةً، لم يعد البقاء خياراً. لن يلاحظ السيّاح ذلك، لأنهم نادراً ما يتوقفون، لكن السكان سيلاحظون. في مراكز المدن، اختفت تقريباً دورات المياه العامة، وهذه مشكلة حقيقية. إذ يتم إجبار من يحتاج إلى الذهاب إلى دورة مياه على الذهاب إلى مقهى لتناول الطعام، أو قضاء حاجته في الشارع. ويُدفع المرء إلى الاستهلاك الخاص لأن الخدمة العامة لم تعد متوفرة". ويشير إلى أن هذا المنطق يؤثر بشكل غير متناسب على الفقراء.
كذلك يتم طرد المشرّدين لأن وجودهم يزعج السيّاح. فهم يُطردون من المراكز التاريخية ولا تُمنح لهم أي شروط للبقاء. وإن لم تستطع حتى الاستلقاء على مقعد، فأنت مُجبر على الانتقال. ولكن،هل حُلّت المشكلة؟ كلا، لقد تم نقلها فحسب إلى مكان آخر".
الصلاة من أجل التغيير
تشهد الممارسات الدينية تغييرات أيضاً. فالكنائس التي كانت في السابق أماكن تجمّع للسكان باتت اليوم معالم سياحية، الأمر الذي أبعد العبادة عن المركز التاريخي. وقال دومينيكو بيلوتي، أستاذ القانون الكنسي في جامعة ماغنا غراسيا في كاتانزارو: "من الطبيعي أن تفقد دُور العبادة الواقعة في مناطق أصبحت غير مستدامة اقتصادياً مجتمعها المؤمن. وهذا الأمر لا يقتصر على نابولي وحدها". وأشار إلى أنه في حال اضطرت الأجيال الشابة للعيش بعيداً عن أماكن عملها بسبب صعوبة الوصول إلى مراكز المدن اقتصادياً، فإن الكنائس والجمعيات الدينية ستضطلع بأدوار جديدة، و"ستصبح جهات معنية بتقديم الرعاية الاجتماعية".
كذلك يتم تخصيص الثقافة لأجل السيّاح لا لأجل السكان المحليين، وغالباً ما تصبح باهظة الثمن. وقد أوضحت مارينا مينيتي، الناشطة في منظمة "مي ريكونوسي" (Mi Riconosci) وهي مجموعة تدافع عن حقوق العاملين في المجال الثقافي، أنّ "الكثير من الأمور التي كانت مجانية في السابق لم تعد كذلك اليوم".
ومن المفارقات أنّ السياحة غالباً ما تمحو الصفات التي اجتذبت الزوار في البداية. وخلال بحثه الذي أجراه عبر التحدث مباشرة مع السياح، بدأ أفيلا يلاحظ بعض الشكاوى من وجود عدد كبير من الشركات الغذائية، وأن الحياة التجارية في المدينة أصبحت غير متوازنة بشكل مطرد. وحذّر كاليتشيا قائلاً: "لن تبقى السياحة بهذه القوة إلى الأبد. ومع غياب التخطيط السياسي والخطط البديلة، فإن تركها من دون رادع سينطوي على مخاطر جسيمة".
نقلته إلى العربية: زينب منعم.