سياسات ترامب تربك رهانات تركيا

سرعة التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا فاجأت تصوّر تركيا حول  السياسة الخارجية الأميركية إذ ضربت عرض الحائط مصالح كلّ من أوكرانيا وأوروبا وإنكلترا، والمؤسسات والمنظّمات الدولية.

0:00
  • التحوّلات في الولايات المتحدة تضعضع حسابات أنقرة.
    التحوّلات في الولايات المتحدة تضعضع حسابات أنقرة.

اعتقد بعض محلّلي السياسة أنّ المصالح الجيوسياسية لتركيا والولايات المتحدة ستتوافق بقوة شديدة مع فوز ترامب لولاية ثانية، ممّا قد يفضي إلى شراكة حيث ستؤدّي تركيا دوراً يساعد فريق ترامب في تحقيق التقارب مع روسيا وإنهاء حرب أوكرانيا.

كما أنها قد تتفاوض على انسحاب الولايات المتحدة من سوريا وزيادة السيطرة في العراق وشرق البحر الأبيض المتوسط. واعتبروا أنّ المصالح التركية -الأميركية قد تستمرّ في التوافق. وهم استندوا على أنّ لتركيا روابط مؤسسية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، يمكن أن تساعدها في الوصول إلى المناطق التي لا يحظى فيها النفوذ الأميركي بالقدر نفسه من الترحيب، مثل أفريقيا وآسيا الوسطى والعالم الإسلامي على نطاق واسع.

أما العلاقة بين تركيا و"إسرائيل" فهي ضرورية بالنسبة لها ومن الممكن أن يساعد الأمر إردوغان أيضاً في تحقيق بعض الأهداف التي سعى إلى تحقيقها سابقاً ولم يوفّق.

لكن في ضوء الاتجاهات الأخيرة، لصنّاع السياسات الأميركيين كانت سياسة تركيا وسياسة الشرق الأوسط تندرجان في فئات منفصلة، إلّا أنّ السقوط السريع لنظام الأسد وصعود المعارضة المدعومة من تركيا في دمشق، جعل تركيا جزءاً من الشرق الأوسط على نحو لم تكن عليه من قبل.

وترى أنقرة بأنها إذا استمرّت في تحقيق إنجازات سريعة، فقد تقود قوة سنية شعبية كبيرة في المنطقة تحلّ مكان إيران. حكومة إردوغان أو الحكومة السورية الناشئة لم تتعرّض لـ "إسرائيل" في هذه المرحلة مع أنّ الحكومة اليمينية المتطرفة المسيطرة على الدولة باتت تتحرّك بشكل أكثر عدوانية في حروبها ومشاريعها الاستيطانية ولا تكفّ عن قصف جنوب سوريا والتقدّم في أراضيها.

تعتقد تركيا أنّ على واشنطن العمل مع الجانبين السوري والإسرائيلي لتجنّب الصدام الحتمي، ولا سيما أنّ الوضع العسكري يتحوّل بطرق قد لا تكون تركيا مستعدّة لها.

التحوّلات في الولايات المتحدة تضعضع حسابات أنقرة 

يعمل فريق ترامب على تضخيم قومية ترامب وهو اختار شخصيات في فريقه أصدقاء أقوياء لليونان وقبرص مثلما هم منتقدون لتركيا.

لذلك من الصعب فصل المسرح السياسي عن السياسة الفعليّة. لا شكّ أن هناك صراعات خطيرة بين قاعدة "أميركا أولاً" والقاعدة الإسلامية الوطنية في تركيا.

المسؤولون في البيت الأبيض "قد يحترمون نجاح تركيا على الأرض، وتواصلها الدبلوماسي، وخبرتها، لقد أثبتت تركيا أنها قادرة على التواصل مع الحركات اليمينية المتطرّفة في هنغاريا وإيطاليا، ولكنّ التحوّل المماثل في الولايات المتحدة يعني تحوّلاً منهجياً، يجرّ تركيا إلى مناطق من الخلافات الفعلية التي لا يمكن التوفيق بينها.

وقد يكون هذا في "إسرائيل"، ولكن أيضاً في أماكن أخرى في البحر الأبيض المتوسط. فرغم أنّ كاريزما إردوغان قد يكون لها بعض الثقل لدى ترامب، لكنّ الحركات السياسية التي يشارك فيها الرجلان ليست متوافقة إلى حد كبير.

فاجأت سرعة التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا تصوّر تركيا حول  السياسة الخارجية الأميركية اذ ضربت عرض الحائط مصالح كلٍ من أوكرانيا وأوروبا وإنكلترا، والمؤسسات والمنظّمات الدولية. أما على صعيد الداخل فلقد تمّت الإطاحة برئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال تشارلز براون الابن، وطال الأمر عدداً من المؤسسات الحيوية مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية ووزارة العدل ووزارة الخارجية، وعشرات الآلاف من الموظفين.

طرحت أسئلة عديدة حول أسباب هذه السياسة ومآلاتها، هل من الأسباب اعتقاد إدارة ترامب وحلفائها بأنّ هذه الكوادر جزء من "الدولة العميقة" التي عملت وتعمل على عرقلة سياساتها. 

السياسة الخارجية الأميركية تبدو مختلفة. عارضت الولايات المتحدة في قمة مجموعة السبع البيان الذي وصف روسيا بأنها "معتدية". تمّ استخدام مصطلح "الصراع الأوكراني" وليس "العدوان الروسي". واعتبرت هذه الخطوة مقدّمة لعودة روسيا إلى مجموعة السبع.

وصوّتت أميركا ضدّ القرار الداعي إلى انسحاب روسيا الفوري من أوكرانيا، بينما امتنعت الصين عن التصويت. وتمّ تقديم مشروع انسحاب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة ووكالاتها الدولية من قبل الحزب الجمهوري، أما وزير الدفاع الأميركي هيغسيث الذي شارك في اجتماع وزراء دفاع الناتو الذي عقد في بروكسل فلم يردّ على سؤال حول التزامه بالمادة الخامسة، وهي المادة الأكثر أهمية في المنظّمة، التي تنصّ على الدفاع المشترك بين الدول، وهذا ما أربك تركيا فعدم الالتزام بهذه المادة يعني نهاية حلف الناتو، فتركيا ترى أنه إذا خسر زيلينسكي، سيخسر الغرب والناتو، وكذلك الولايات المتحدة.

ما هي العوامل الحاسمة التي يمكن لأنقرة أن تسلكها؟ هل ستبقى عالقة في النظام الذي كان قائماً، وهل ستحاول أن تبحث عن فرص جديدة على ضوء التوترات التي تعتري العالم.

هناك حاجة إلى عناوين لهذا التحوّل الجديد، كلّ شيء يتغيّر فهل سيكون هناك تنافس جديد بين مجموعات جديدة؛ روسيا والهند والولايات المتحدة، ومجموعة بريطانيا والاتحاد الأوروبي والصين؟ هناك مجموعة أخرى تتكوّن من أوراسيا ومنظّمة الدول التركية وأفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض دول آسيا البعيدة. هل يمكن الحديث عن انخفاض حماسة منظّمات مثل بريكس ومنظّمة شنغهاي للتعاون؟

في هذه المرحلة الانتقالية، تظهر تركيا وكأنها عالقة في هذا الوسط. هل لديها خطط تتناسب مع هذه المرحلة الجديدة، وهل يمكنها أن تتمتّع بالقوة نفسها بعيداً عن حلف "الناتو"؟ وهل الإدارة الجديدة ترى تركيا حليفاً ضرورياً لأمنها إذا ما انتهى الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة؟ ومن هي الأقطاب الدولية الجديدة؟ وما هي تحالفاتها؟ قد تكون هذه الفترة حرجة بالنسبة لحلفاء واشنطن أكثر منها لمناؤيها.