أشجار الزيتون تربط الفلسطينيين بوطنهم و"إسرائيل" تعتبرها تهديداً

أهديتُ زجاجة زيت زيتون لطبيبٍ زار غزة في مهمةٍ طبية، فصادرها ضباطٌ إسرائيليون.

  • أشجار الزيتون تربط الفلسطينيين بوطنهم و
    أشجار الزيتون تربط الفلسطينيين بوطنهم و"إسرائيل" تعتبرها تهديداً

موقع "Truthout" الأميركي ينشر مقالاً يروي تجربة شخصية مؤثّرة حول غزة، مركّزة على تأثير الحرب على المدنيين والأطباء، والتضامن الدولي عبر زيارة الدكتورة أليسون كينينغ وفريقها لإنقاذ المرضى رغم المخاطر. 

يستعرض النصّ أيضاً المعاني الرمزية لهدايا مثل الزيتون والمخللات، والأشجار والصمود الفلسطيني، وكيف أنّ الاحتلال يحاول مصادرة هذه الرموز الثقافية والتاريخية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

بدأ كلّ شيء بمقالة رأي كتبتها في شباط/فبراير الماضي، تكريماً لأطباء غزّة الذين قتلتهم أو اختطفتهم "إسرائيل"، والذين آمل أن أحافظ على إرثهم وأنا أدرس الطب. ولدهشتي، انتشر المقال على نطاق واسع، وفجأة امتلأ صندوق الوارد في حسابي على إنستغرام بطلبات الصداقة والرسائل من أشخاص من مختلف أنحاء العالم، غرباء كتبوا عن مدى تأثرهم بالمقالة وكيف صلّوا من أجل سلامتي.

من بين تلك الرسائل، كانت رسالة من الدكتورة أليسون كينينغ، جرّاحة أوعية دموية من الولايات المتحدة. قبلت طلبها وقرأت كلماتها المؤثّرة: "أتمنى لك التوفيق والسلامة في نشاطك وحياتك". جلست مذهولة أقرأ كلماتها مراراً وتكراراً، وغمرني لطفها، وأخبرتني أنها كانت قد قدمت إلى غزة في مهمة طبية كجرّاحة أوعية دموية لمساعدة المرضى الذين يتشبثون بالحياة.

أخبرتها عن شقيقتي، طبيبة الأسنان انتماء، التي تدرس الدكتوراه في الولايات المتحدة، والتي كانت تكافح منذ أشهر لإرسال الأدوية الأساسية والفيتامينات المقطوعة عن غزّة. عرضت الدكتورة كينينغ المساعدة من دون تردّد، فوصلتهنّ ببعضهنّ.

أطلعتني الدكتورة كينينغ على كلّ خطوة من رحلتها التي استمرت عدة أيام إلى غزّة، والتي بدأت في آذار/مارس الماضي عندما غادرت الولايات المتحدة، ومرّت بالأردن لليلة واحدة قبل أن تصل إلى فلسطين المحتلة. كانت مع فريق من ثلاثة أطباء آخرين، جميعهم يزورون المنطقة للمرة الأولى، ويحملون معهم معدّات طبية طالما ناشد العاملون في مستشفيات غزة المتداعية الحصول عليها، والتي كانت "إسرائيل" تمنع دخولها أو تصادرها عند المعبر، ولم يتبقَ لكل منهم سوى حقيبة واحدة. لقد خفق قلبي عندما سمعت هذا.

ورغم التأخير المتعمّد من القوات الإسرائيلية، وصلوا إلى غزّة بحلول الساعة السادسة مساءً، وكانت صدمتهم كبيرة من حجم الدمار والخراب، الذي لا يقارن بما رأوه على الأرض وما يشاهدونه من خلف الشاشات.

في اليوم التالي لوصولها، بدأت الدكتورة أليسون كينينغ عملياتها الجراحية وجولاتها على المرضى. كنت أعلم كم كانت أيامها حافلة، فكل ساعة مهمة وكل لحظة فرصة لإنقاذ شخص على حافة الانهيار. سألتها بلطف: "متى يكون اللقاء مناسباً، وليست لديك عمليات جراحية؟" وحدّدنا الموعد في 17 آذار/مارس.

منذ اللحظة التي علمنا فيها بقدومها، بحثت أنا ووالداي عن هدايا ذات معنى، هدايا تعبّر عن فلسطين. اتصلت والدتي بصديقة قديمة تسألها إن كان بإمكانها صنع شال مطرّز يدوياً يحمل رموز ثقافتنا الوطنية ومسحة من بلدتنا بئر السبع، لكنّ صديقة والدتي أجابت بحزن: "10 أيام لا تكفي، أحتاج إلى شهور لإكمال قطعة كهذه".

كان الوقت ينفد، وللمرة الأولى منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تجرّأنا على الذهاب إلى السوق المحلي، حيث حلّقت طائرات من دون طيار فوقنا وتردّدت أصداء انفجارات بعيدة، لكنّنا حافظنا على تركيزنا. تجوّلنا في المتاجر، واخترنا سترة مصنوعة بإتقان للدكتورة كينينغ، وأخرى لأحد أصدقاء شقيقتي انتماء المقرّبين، وكوفية حمراء مطرّزة لصديقتنا الأردنية، وشالاً أبيض لانتماء الذي رشّه والدي بعطره المفضّل الذي كانت تحبه شقيقتي أكثر من أي شيء آخر، وهمس لي قائلاً، حتّى تشعر بوجودي كلما ارتدته، فقلت مازحة بيننا وبين انتماء مسافة تقارب 6000 ميل، لن يدوم العطر تلك المسافة.

لكنّ والدي تواصل مع صديقه الجديد أبو إبراهيم الذي تعرّف إليه في أثناء نزوحه بالقرب من بيتنا في مخيم النصيرات للاجئين. وكان أبو إبراهيم قد عاد إلى الشمال مع مئات الآلاف من الفلسطينيين في كانون الثاني/يناير، بعد بدء وقف إطلاق النار آنذاك. سأله والدي إن كان بإمكانه مساعدتي في العثور على قطع تراثية فلسطينية قديمة في سوق الزاوية بمدينة غزّة، ولم تكن القطع التي جمعها أبو إبراهيم مجرّد قطع عادية، بل كانت قطعاً تحمل قصصاً وذكريات. يا للأسف، لم يستطع العودة إلى الجنوب لإحضارها لنا، فقد بدأت "إسرائيل" بتكثيف غاراتها الجوية مجدّداً، منتهكة بذلك الهدنة الهشّة.

ومع ذلك، عندما سمع صديق قديم لوالدي، أبو معاذ، سبب بحث والدي تأثّر كثيراً، وجمعت زوجته خبيرة التطريز، أجمل قطعها: "نحن محاصرون بالموت هنا في غزّة" قال أبو معاذ، و"انتماء تستحقّ هذه القطع. ستقدّرها حقّ قدرها. كلّ غرزة تروي قصة تشفي جرحاً، وتترك وراءها وعداً بفلسطين حرّة نابضة بالحياة".

ثم أعدّ والدي هديتين أخيرتين عبارة عن زجاجتين من زيت الزيتون، واحدة لانتماء، وأخرى للدكتورة أليسون كينينغ، إضافة إلى الزيتون والمخلل. لكنّ هذا لم يكن زيتاً عادياً، فلقد قطف وعصر وعبّئ تحت وطأة الصواريخ، ويحمل مذاقاً تاريخياً من صمود الفلسطينيين والأشجار الصامدة لقرون، تُغذّينا وتظللنا خلال الحصار والجوع.

في الـ 17 من شهر رمضان تلقّيت اتصالاً من باسل، أحد العاملين في منظمة "قلب شجاع" قال بحرارة، أودّ دعوتك إلى الانضمام إلينا على الإفطار اليوم. تردّدت لأنّ الأمر صعب فالرحلة تستغرق 40 دقيقة من هنا إلى هناك، لكنّ والدي عرض مرافقتي، رغم قلقه من أنّه قد لا يتذكّر الطريق بعد الآن، فلقد مُحيت شوارع غزّة وأعيد تشكيلها بفعل الحرب.

لكن باسل طمأننا، "يمكننا إرسال سيارة لتنقلكم". وفي وقت الإفطار انطلقنا، ودار حديث طويل بين والدي والسائق حول الفظائع التي شهداها. تلاشت كلماتهما في صمت عميق، لم يقطعه إلا همس الدعاء، "الحمد لله، آملين انتهاء الحرب وألا تعود أبداً ولا حتّى في كوابيسنا. وبينما كانت السيارة تتسلل عبر شوارع غزّة، نظر والدي من النافذة، وسأل بهدوء، "أين نحن الآن"، مع أنّه كان يعرف هذه الشوارع جيداً، أما الآن فقد اختفت معالمها، وابتلعتها الأنقاض والخراب.

انضمّت كينينغ إلى الدكتور سراج جرّاح العظم الليبي البريطاني، والدكتور أسامة جرّاح الأعصاب المصري البريطاني، والدكتور إسماعيل جرّاح الأعصاب الهندي البريطاني. وقد أتيحت مهمّتهم بفضل منظمة "قلب شجاع" التي عملت بلا كلل لدعمهم. وفي ذلك الوقت، كان شهر رمضان المبارك بعد أسبوعين فقط من حصار قطاع غزّة الكامل. حتّى في تلك الظروف العصيبة، بذلت منظّمة "قلب شجاع" قصارى جهدها لتنظيم الرعاية لهؤلاء الأطباء الزائرين، مقدّمة لهم الدفء، والمأوى والوجبات والحلويات. والمشروبات التي تعكس روح الثقافة الفلسطينية.

ورتّبت للأطباء زيارات ميدانية أيضاً للمعالم الأثرية، ولكنهم شاهدوا الآثار والأزقة والشوارع المحطّمة، حيث كان كلّ منها شهادة حية على الخسارة والتحمّل والإرادة الإنسانية للبقاء. أخبرتني كينينغ عن مدى تأثّرها بالأشخاص الذين التقتهم: "كرمهم يشعرني بالتواضع، وأحببت الشاي بالنعناع والقطايف التي كنّا نتشاركها بعد الإفطار".

داخل السيارة، كنت أشعر بالذعر بهدوء. لقد مرّ عام ونصف العام منذ أن قطعت هذه المسافة الطويلة. ما كان عادياً في السابق أصبح الآن ثقيلاً، والخوف أحد الجروح الخفية العديدة التي خلّفتها نجاتي من مذبحة لا هوادة فيها.

عندما وصلنا إلى المستشفى الأوروبي، وهو مكان قصفته القوات الإسرائيلية منذ ذلك الحين مخلّفةً 28 قتيلاً وعشرات الجرحى، رأيت الدكتورة كينينغ هناك. أعطتني حقيبة مليئة بالأدوية والفيتامينات، وهديتها الشخصية عبارة عن سماعة طبيب، وأعطيتها الهدايا التي أعددناها لها.

أشرق وجهها بالامتنان، معبّرة عن مدى حماسها لمشاركة الزيتون والزيت الفلسطيني مع عائلتها، وقالت إنّ وجودها في غزّة كان أشبه بالحلم، وإنّ الانتقال من التواصل الافتراضي إلى الوقوف وجهاً لوجه مع غزّة شعور لا يصدّق.

ثم سألت السؤال الذي كان يحمله قلبي: ما الذي جاء بها إلى غزّة أثناء وقف إطلاق النار، وهي تعلم أنّ الحرب قد تندلع مرة أخرى في أيّ لحظة؟ فنظرت إليّ وقالت بصوت حازم: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي". لم تستطع مشاهدة الأطفال يموتون وهي خلف شاشة، مدركة أنّ إنقاذ الكثيرين ممكن لو كان هناك تحرّك وتدخّل حقيقي، وأضافت: "هذه الحرب طعنة في إنسانيتنا الجماعية. أتمنى لو أستطيع فعل المزيد".

ثم أرَتني بضع صور للوقفة الاحتجاجية التي نظّمها الطاقم الطبي الأميركي، وكانت لافتاتهم تدعو إلى وقف إطلاق النار، وإنهاء الحصار، وتحرير فلسطين. قالت كينينغ: "الصدمة هنا كبيرة، والتلف في أوعية المرضى الدموية لم أرَ مثله في مسيرتي المهنية. اضطررت لبتر أطراف الجرحى فقط لإنقاذ أرواحهم، إنه أمر مفجع. وكان هناك صبي بعمر ثماني سنوات أجريت له عملية جراحية من جرّاء إصابته برصاصة قنّاص في كاحله، كادت أن تقطع ساقه، أصلحنا شرايينه وقد نجا بصعوبة بالغة".

تبادلنا القصص والصور وأجزاءً من عالمنا. أريتها صور كلابنا، فأخبرتني عن كلابها، وتحدّثنا عن ثقافاتنا ورموزنا وإنسانيتنا المشتركة. خلفنا، وقف والدي مع الدكتور أسامة، والدكتور سراج، والصديق باسل. توقّف الدكتور إسماعيل وابتسم وسألني إن كنت أرغب في مرافقتهم إلى غرفة العمليات.

لقد عرّفتني الدكتورة كينينغ إليهم، واصفة إيّاي بالكاتبة الواعدة وطبيبة الأعصاب المستقبلية، وحثّتهم على قراءة مقالتي في "الجزيرة"، ووصفتها بأنّها "تجدّد التزاماتنا الأخلاقية". وما أثّر بي بعمق هو حبهم وتضامنهم وولاؤهم الشديد لفلسطين. تركوا خلفهم عائلاتهم ووظائفهم وراحتهم، ليس من أجل الشهرة ولا من أجل الشكر، بل ببساطة لمساعدة غزّة على العيش، والشفاء، والحرية.

شكر والدي الدكتور أسامة حين تحدّث عن الأحوال الحرجة، فردّ الدكتور أسامة بلطف: "لا حاجة إلى الشكر، نحن مدينون لكم بأكثر من ذلك"، بينما قال الدكتور سراج: "نحن أمة واحدة، وألمنا واحد، ولا حرية لأحد حتى تتحرّر غزّة".

مرّ الوقت بسرعة، تشاركنا القهوة وتناولنا القطايف، وتبادلنا قصص الحرب. كان الوقت يقترب من الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل حين غادرنا، ودعوناهم للإفطار في يوم آخر. ووصلنا إلى مخيم النصيرات للاجئين في الساعة الواحدة وعشرين دقيقة صباحاً. كانت الشوارع، رغم تأخّر الوقت، تتلألأ بفوانيس رمضان، وقبل نصف ساعة من بدء الجحيم، انهالت الانفجارات بينما خرقت "إسرائيل" وقف إطلاق النار الهشّ الذي استمر لأسابيع.

ظلت الدكتورة كينينغ تطمئن على وضعي يومياً. حاولت مواساتها وشاركتها استراتيجيات السلامة التي أتقناها على مدار عام ونصف العام تحت نيران العدو، من الابتعاد عن النوافذ، والاختباء في الزوايا في مواجهة المخاطر الوشيكة، والبقاء بعيداً عن أنظار الطائرات المسيّرة. حاولت هي أيضاً طمأنتي قائلة: "كلّ شيء سيكون على ما يرام".

غادرت أليسون وفريقها غزّة في 27 آذار/مارس، لكنّهم أُوقفوا عند معبر إيرز، حيث صادر جنود الاحتلال منهم زيت الزيتون والزيتون. وقد أرسلت لي أليسون رسالة حزينة: "لقد صادروا كلّ شيء. قلبي يؤلمني، وأنا أعلم كم ضحّت عائلتك من أجل هذه الهدايا".

لم يكن الأمر مجرّد فقدان تلك الزجاجات، بل كان بمثابة صدمة في قلوبنا. لقد خاطرنا بكلّ شيء من أجل ذلك الزيت الذي لم يكن سلاحاً، وليس تهديداً، ومع ذلك يخشونه، لأنّه هويتنا وتاريخنا الذي يلطّخ أيديهم. يخافون من أشجار الزيتون التي تعرف، أكثر من أيّ شخص آخر، من هم أصحاب هذه الأرض الحقيقيون.

في وقت لاحق، عثرت على دراسة وجدت أنّ ثلثي الجمهور الإسرائيلي يعانون ردود فعل تحسّسية تجاه حبوب لقاح الزيتون الشامي، مقارنة بنحو 14% فقط من السكان العرب الذين يعيشون في المناطق المجاورة، وهم أشخاص من المرجّح أن يعود تاريخ عائلاتهم بهذه الأراضي الغنية بالزيتون لعدة أجيال. شعر جزء مني بالرضا الغريب، لكنّ جزءاً آخر بالغضب، لأنّهم حتى عندما لم يتمكّنوا من الاستمتاع بما سرقوه، أخذوه فقط ليحرمونا منه.

في 17 نيسان/أبريل أرسلت أليسون إلى شقيقتي انتماء هداياها منا، والتي حين استلمتها ولمست أخيراً قطعة من غزة فرحت كثيراً، ووزّعت الهدايا على صديقاتها. إلا أنّ عطر والدي كان الأبرز، رائحته أقوى من أي شيء آخر، يغمرها بالذكريات والحب. فلقد كان والدي على حقّ، فستة آلاف ميل لا يمكن أن تكسر رابطة غير قابلة للكسر.

قالت الدكتورة أليسون كينينغ: "غزّة غيّرتني إلى الأبد، وتركت أثراً سأحمله طوال حياتي". تماماً كعلاقة انتماء بنا، تماماً كصلتنا بفلسطين، لا يهمّ إن كنّا داخلها أو خارجها، فوطننا محفور في قلوبنا، مطرّز في جلودنا، نحمله معنا.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.