جنوب أفريقيا في مرمى هجمات ترامب وماسك.. والأقلية البيضاء كبش محرقة

هجمات ترامب والفوضى التي يثيرها تصل إلى جنوب أفريقيا، متذرّعاً بقانون فرضته الدولة يتعلّق بملكيّة الأراضي فيها، فما حقيقة هجوم ترامب عليها؟ وما علاقة إيلون ماسك بذلك؟

  • جنوب أفريقيا في مرمى هجمات ترامب وماسك.. والأقلية البيضاء كبش محرقة
    جنوب أفريقيا في مرمى هجمات ترامب وماسك.. والأقلية البيضاء كبش محرقة

ما يأمله خصوم وحلفاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الأيام، أن لا تمتدّ حروبه الاقتصادية والتجارية، وشجاراته الشخصية وأزماته المفتعلة، إلى ممالك الطيور والحيوان، بعدما طالت خلافاته عشرات الدول في الشرق والغرب على حدّ سواء، وصولاً إلى القارة السمراء التي نالت نصيبها مؤخّراً من العداء الترامبي المفاجئ، بعدما فتح النار من دون أيّ مقدّمات على جنوب أفريقيا، من خلال توقيعه أمراً تنفيذياً بوقف جميع المساعدات لهذه الدولة، فضلاً عن منح وضع اللاجئ للبيض فيها.

لم يكتفِ الرئيس الأميركي بذلك، بل ندّد بـ"التمييز على أساس العرق الذي ترعاه الحكومة، بما في ذلك مصادرة الممتلكات التمييزية العنصرية"، على حدّ زعمه، متهماً جنوب أفريقيا بـ"التجاهل الصادم لحقوق مواطنيها".

ودعا أيضاً، على وجه التحديد، إلى إعادة توطين الأفريكانيين البيض (في أميركا)، المنحدرين في الغالب من نسل المستوطنين الهولنديين، والذين يشكّلون جزءاً من الأقلية البيضاء في تلك البلاد.

أسباب هجمة ترامب على جنوب أفريقيا

في كانون الثاني/يناير الماضي، وقّع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا قانوناً جديداً لمصادرة الأراضي الزراعية، يحدّد الخطوات التي تتيح للحكومة السيطرة على الأراضي الخاصة.

إلى هنا، يبدو الأمر عادياً. لكنّ القانون تضمّن بنداً يسمّى "التعويض الصفري"، أدّى إلى إثارة جدل كبير، لأنه يُمكّن الحكومة من الاستيلاء على الأراضي من دون تعويض، عندما يتمّ التخلّي عنها أو لا يتمّ استخدامها، أو حين يصبّ هذا الإجراء في خدمة المصلحة العامّة.

ما تجدر معرفته، أنّ الهدف من تمرير هذا القانون، وفقاً للحكومة، هو معالجة آفة عدم المساواة التي ابتليت بها البلاد منذ الحكم الاستعماري، ثمّ جرى تكريسها في ظلّ نظام الفصل العنصري، والتمييز القانوني الذي سمح بتجريد السكان السود من أراضيهم. 

وبناءً على ذلك، اعتبر ترامب وحليفه إيلون ماسك - الذي وُلد ونشأ في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري - أنّ الفئة الأساسية المستهدفة من هذا القانون هم المواطنون البيض، الذين يشكّلون نحو 7% من سكان البلاد، ويمتلكون نحو 70% من الأراضي الزراعية الخاصة.

وانطلاقاً من هذه النقطة، اتهم ترامب رئيس جنوب أفريقيا بتقويض السياسة الخارجية الأميركية من خلال بناء علاقات أوثق مع إيران، ومقاضاة "إسرائيل" في محكمة العدل الدولية بشأن سلوكها في حرب غزة. كما أعلن وزير خارجيته ماركو روبيو أنه سيتجنّب حضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين الذي كان عقد الأسبوع الماضي في جنوب أفريقيا (20-21 شباط/فبراير)، وهو ما حصل فعلاً. 

سياسة إصلاح الأراضي وحقيقة شكاوى البيض

تعود خطة إصلاح الأراضي إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي. ولتفسير ما حدث، لا بدّ من العودة إلى عام 1913، عندما صدر قانون آنذاك يمنع ملكيّة السود للأراضي في جنوب أفريقيا، ونتيجة لذلك، نزح العديد من الأشخاص من أراضيهم في العقود اللاحقة.

وبحلول أوائل السبعينيات من القرن الفائت، كان عدة ملايين من الأشخاص قد هُجّروا من أراضيهم، إلى أن أقرّت الحكومات المتعاقبة سياسة الإنصاف في منتصف التسعينيات، والتي سمحت -ـ من بين أمور أخرى - للأشخاص الذين يمكنهم إثبات أنّ أراضيهم قد سُلبت منهم بعد عام 1913، باستعادتها، لكن ليس عبر مصادرتها، أو أخذها من أصحابها بالقوة، إنما عبر إعادة شرائها بأسعار السوق.

صحيح أنّ المواطنين البيض لم ترق لهم هذه العملية وأعلنوا معارضتها، غير أن شكواهم لم تتعلّق بالسياسات المتبعة نفسها، بقدر ما ارتبطت بالطريقة التي نُفّذ بها هذا الإجراء، خصوصاً مع قيام الحكومة بإعادة توزيع كمية كبيرة من الأراضي.

فهذه العملية لم تكن ناجحة بشكل خاص ولم تُدر بشكل جيد، إلى حدّ أنها ولّدت شعوراً من الإحباط والسخط والنقمة عند السكان السود الفقراء، ومالكي الأراضي البيض وغيرهم، بسبب عدم الكفاءة والفساد اللذين تعاني منهما الحكومة. إذاً، فالقضية تتصل بالفساد والافتقار إلى الكفاءة، وليس بجوهر القانون ذاته، وفقاً لجوني شتاينبرغ، (وهو كاتب من جنوب أفريقيا ومحاضر كبير في السياسة الأفريقية في جامعة ييل).

ترامب وعدم فهم قانون الإصلاح الزراعي

في الواقع، اتسمت قرارات ترامب ضدّ قانون الإصلاح الزراعي لجنوب أفريقيا، بالتسرّع والعشوائية، وأثبتت ردود أفعاله أنها قصيرة النظر ومن المحتمل أن تؤدي إلى نتائج عكسية، والأهم أنها تظهر فهماً ضئيلاً لتاريخ جنوب أفريقيا ومعاناتها من الظلم العنصري.

فالعبارات التي تفوّه بها الرئيس الأميركي مثل قوله "أرض الجنوب أفريقيين البيض تُسرق"، تشي بعدم درايته بالقضية، بحسب الرئيس رامافوسا وجماعات حقوق الأفريكانيين وحتى منتقدي القانون، الذين نفوا اتهامات ترامب بالعنصرية، معتبرين أنّ قراراته تستند إلى معلومات مضلّلة، ومؤكّدين أنّ حقوق الملكية الخاصة محمية.

وتبعاً لذلك، يؤكّد جوني شتاينبرغ: "إن نظرت إلى أقوال ترامب، فلن تجد أحداً يتفق معه. فلم تُسرق أيّ أراضٍ من أيّ شخص في جنوب أفريقيا منذ عام 1994. فالكثير من الأراضي جرى شراؤها بأسعار السوق وإعادة توزيعها، لكنها لم تُسرق".

والظاهر أنّ ترامب أدار أذنه لمصادر لها دوافع تخريبية، تتمثّل بمنظّمات و"لوبيات" في جنوب أفريقيا مارست ضغوطاً عليه وأمدّته بالمعلومات الخاطئة والمضللة على مدى سنوات، ليس فقط بشأن مسائل إعادة توزيع الأراضي، ولكن أيضاً فيما يتعلّق بمسائل الجريمة، ومدى تعرّض الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية في جنوب أفريقيا للخطر. والكلام هنا يعود للكاتب جوني شتاينبرغ.

اقرأ أيضاً: جنوب أفريقيا: اتهام منظمة "أفري فوروم" بالخيانة.. ما علاقة ترامب؟

علاقة ماسك بالحملة على جنوب أفريقيا

يتساءل الكثيرون عن سرّ انضمام ماسك لترامب في الهجوم على جنوب أفريقيا. فصاحب منصة "X" دخل مؤخّراً في صدام مع هذا البلد، في إثر إقدام السلطات فيه على إيقاف خطط ماسك لتوسيع شركته الفضائية "ستارلينك" في البلاد، لأنه لا يريد الامتثال لسياسة تمكين السود اقتصادياً - وهي النسخة الجنوب أفريقية من التمييز الإيجابي - التي تشترط أن يكون لـ"ستارلينك" حصة ملكية سوداء لا تقل عن 30%. لذا، وصف ماسك هذا الشرط بأنه "عنصري بشكل علني"، وطالب بالحصول على استثناء.

اقرأ أيضاً: "بلومبرغ": ترامب وماسك يثيران الفوضى في جنوب أفريقيا

انعكاسات قرارات ترامب على جنوب أفريقيا

إنّ قطع المساعدات عن جنوب أفريقيا من شأنه أن يوقف ما يقرب من نصف مليار دولار من التمويل سنوياً، والذي يُستخدم أغلبه في برنامج لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في العالم.

أكثر من ذلك، ومنذ نهاية الفصل العنصري في عام 1990، كانت الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا عموماً تتمتعان بعلاقات ودّية، ولا سيما أنّ جنوب أفريقيا تُعتبر أكبر شريك تجاري لأميركا في القارة السمراء، وأحد المستفيدين الرئيسيين من وضع التجارة التفضيلي الأميركي بموجب قانون النمو والفرصة الأفريقي. فهذه الدولة، بحسب وصف الساسة الأميركيين، هي حصن ديمقراطي في قارة تعاني من ندرة الديمقراطية.

في المحصّلة، يُبدي الكثير من السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين قلقهم من نهج ترامب العدواني، ويطرحون علامات استفهام عن الحكمة من نبذ تلك البلاد، ولا سيما أنّ جنوب أفريقيا تعتبر أول دولة أفريقية تتولّى رئاسة مجموعة العشرين، وهذا يُعدّ إهانة للقارة الأفريقية برمّتها. من هنا، فإنّ الصين، التي وسّعت علاقاتها التجارية مع جنوب أفريقيا، ستعدّ المستفيد الأوّل من هذا الانقسام.

اقرأ أيضاً: جنوب أفريقيا منفتحة على عروض مشاريع نووية من روسيا أو إيران