موقف واشنطن من دمشق... وماذا تريد منها

اللقاء الذي جمع ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع لم يكن حدثاً عابراً، بل حمل دلالات على التزام أميركي بدعم سوريا، ما دامت القيادة الحاكمة فيها تفي بالتزاماتها.

  • لا مجال للحديث عن تقسيم سوريا.
    لا مجال للحديث عن تقسيم سوريا.

الانفتاح الأميركي على دمشق يثير مخاوف العديد من السوريين بشأن الأثمان التي يتوجب على سوريا دفعها مقابل هذا الدعم، خصوصاً أن العلاقات الأميركية-السورية كانت على الدوام غير طبيعية، لاعتبارات أهمها الدعم الأميركي لـ "إسرائيل" والانحياز الكامل لها.

المقاربة الأميركية الجديدة للمنطقة تقوم على تحقيق الاستقرار فيها وخلق حالة من التعاون بين دولها وصولاً إلى تحقيق الهدف الأميركي الأهم وهو إخراج إيران من المنطقة، وجعل "إسرائيل" قائد الشرق الأوسط الجديد، بعد دمجها مع دول المنطقة عبر اتفاقيات السلام الإبراهيمي التي كان قد ابتدعها ترامب خلال ولايته الأولى.

واشنطن تريد سوريا دولة مستقرة، فاستقرار سوريا هو مصلحة سورية أولاً، وعربية ثانياً وإقليمية ودولية ثالثاً. كما تربط الإدارة الأميركية استقرار سوريا باستقرار لبنان، بهدف إضعاف "النفوذ الإيراني" في المنطقة وفقاً للتصورات الأميركية، وترى أن أي فوضى أمنية في سوريا ستسمح بعودة إيران إلى المنطقة. 

اللقاء الذي جمع ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع لم يكن حدثاً عابراً، بل حمل دلالات على التزام أميركي بدعم سوريا، ما دامت القيادة الحاكمة فيها تفي بالتزاماتها لجهة تخليها عن ماضيها الجهادي وعدم تهديدها أمن جيرانها، والتركيز على الجانب التنموي الذي بات يشكل الأولوية للسوريين جميعاً.

لم يكن اللقاء عابراً، خصوصاً أن ترامب لم يلتقِ سوى عدد قليل من القادة العرب، لدرجة أنه لم يجتمع مع زعماء دول عربية كانوا تاريخياً يطوفون في الفلك الأميركي.

لم تعد العلاقة مع سوريا بالنسبة إلى أميركا مجرد علاقة مع دولة، بل هي معادلة يشكل طرفها الآخر، إلى جانب سوريا، عدد من الدول وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، وتركيا.

"الظروف في سوريا تغيرت" وفقاً لتصريحات ترامب، والوفد الأميركي الذي التقى الرئيس الشرع برئاسة المبعوث توم باراك ضم عضو مجلس الشيوخ جين شاهين وعضو مجلس النواب جو ويلسون، وهو ما يشير إلى دعم حزبي مشترك لرؤية ترامب في الحفاظ على وحدة سوريا. 

إعلان الخزانة الأميركية إزالة لوائح العقوبات المفروضة على سوريا من مدونة القوانين الفيدرالية بشكل رسمي، والحديث عن إزالة قانون قيصر قبل نهاية العام كلها معطيات تشير إلى دعم أميركي للحكومة السورية سيتوّج بالسماح للرئيس الشرع بإلقاء كلمة سوريا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي أول مشاركة لرئيس سوري في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1967.  

إعادة هندسة النظام الإقليمي...

ما شهدته سوريا شكل هزة عنيفة على الصعيد الداخلي، وإعادة تموضع وانتقال من ضفة إلى ضفة على صعيد العلاقات الدولية، بمعنى أن سوريا تنتقل من المحور الشرقي الذي كانت أحد أركانه في المنطقة إلى المعسكر الغربي المختلف عنها، أيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً.

هذا الانتقال يبدو من الصعب تحقيقه بالمطلق، لذا رأينا عودة سوريا إلى موسكو وعودة الدوريات العسكرية الروسية في مناطق عدة، أهمّها الجنوب السوري.

الحضور الروسي في سوريا هو حاجة روسية وسورية أولاً، كما أنه لم يكن ليتم من دون موافقة الولايات المتحدة وتركيا ورضى "إسرائيل"، التي يبدو أنها ترحب بنشر قوات عسكرية روسية في الجنوب السوري.

هذا الجنوب يراد له أن يكون خاصرة رخوة لسوريا، إذ شهدت بعض مناطقه دعوات انفصالية تلاقت مع تدخلات إسرائيلية وجدت في ذريعة "حماية الدروز" عنواناً لتبرير تلك التدخلات.

محاولة البعض الانتقال بالدروز من مجموعة دينية إلى جماعة سياسية ستصطدم بإرادة الأكثرية الرافضة لأي دعوة انفصالية، وتمسك أكثرية الدروز بوطنيتهم وتعاليهم على الجراح، انطلاقاً من فكرة أن ما حدث لهم كان قد حدث قبل سنوات في باقي المحافظات السورية وبشكل أقسى وأبشع، ولم نسمع من تلك المناطق أي دعوات انفصالية، إيماناً منها أن الانفصال ليس هو الحل، كما أن احتمالات نجاحه تبدو صفرية. 

محاسبة المقصرين ومرتكبي الجرائم في السويداء مطلب شعبي يجمع عليه جميع السوريين، والمحاسبة يجب أن تطال الجميع، من أجرم بحق البدو وعناصر الأمن العام كمن أجرم بحق الدروز.

مشاركة لجان دولية في التحقيقات، عند الضرورة، يبدو أنه أمر جرى التوافق عليه، وبانتظار أن تأخذ العدالة مجراها بجدية كاملة. 

الحديث عن دعم "إسرائيل" للشيخ الهجري أمر غير دقيق، فـ"إسرائيل" تتكوّن من جهات عديدة مختلفة في المواقف، فهناك الحكومة واليمين والمؤسسة العسكرية والاستخبارات....إلخ، وبالتأكيد ليست جميعها معه. 

انخراط رجال الدين في العمل السياسي أمر له محاذيره، فالحالة العقائدية تجعل منه شخصاً منزّهاً عن الخطأ، وتجعل كلامه أقرب إلى الفتاوى. وبالتالي، فإن انتقاده سيفسر على أنه تعدٍ على المعتقدات الدينية لأتباعه. 

فكرة تشكيل الممر الآمن تبدو أنها أصبحت شبه مستحيلة، فـ"إسرائيل" لن تهجر مليوناً ونصف مليون نسمة من أهالي درعا لتبني له الممر، كما أن الرفض الأميركي والأردني لمثل تلك الخطوة بات معلناً.

المساواة بين جميع السوريين باختلاف مكوّناتهم هي أحد مطالب الثورة السورية، وبالتالي لا يوجد "مواطنة ونصف" في سوريا، ولا "امتيازات فوق دستورية"، يمكن أن تعطى لطائفة دون غيرها.

الحديث عن انفصال السويداء أو غيرها أمر لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، وفي حال أعلن الهجري استقلاله عن دمشق فكم دولة ستعترف به، وهل تمتلك السويداء مقومات بناء دويلة، خصوصاً أن أوضاعها الاقتصادية مختلفة تماماً عن "قسد"، وهل ستفرض الفدرلة على الأكثرية السنية التي ترفضها.

لا مجال للحديث عن تقسيم سوريا...

تثار العديد من المخاوف حول مستقبل سوريا ووحدتها. وفي الحقيقة، يبدو أن الإبقاء على سوريا الواحدة الموحدة هو الأمر الأقرب إلى مصالح جميع الدول المتدخلة في الشأن السوري، التي تسعى لدعم الحكومة المركزية وتقويتها، بينما لا تخفي "إسرائيل" رغبتها في إضعاف سوريا، من دون أن يصل ذلك إلى حدّ انهيار النظام السياسي فيها.

التقسيم و"صناعة دول جديدة" في المنطقة ليس بالأمر السهل، ويبدو أنه يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها العرب في المنطقة، كما يتعارض مع المصالح التركية. 

التعاطي مع حكومة واحدة في دمشق أفضل للجميع من التعامل مع ميليشيات لا يمكن التحكم بمساراتها، وكثيراً ما كانت تعاني من الانفلات وعدم القدرة على ضبط سلوكياتها.

تصفية الميليشيات في المنطقة توجه جديد تسعى الادارة الأميركية إلى تنفيذه، فرأينا ما حدث في تركيا من إنهاء لحزب العمال الكردستاني وتفكيك جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، ودعوة الجماعة إلى حلّ نفسها من قبل السيد أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس الشرع.  

الرؤية العامة لسوريا واحدة موحدة تعني أن لا مجال للحديث عن الانفصال لا في الجنوب ولا في منطقة شمال شرق سوريا، حيث دعت الولايات المتحدة "قسد" إلى الانخراط في صفوف الجيش السوري وصوغ توافقات مع دمشق، فيما جاءت التصريحات من "إسرائيل" لتظهر أن الأخيرة لن تحمي أحداً. 

ما يميز "قسد" في شمال شرق سوريا هو أنهم يفهمون تحوّلات هذه اللحظة، أما الهجري فيبدو أنه غير قادر على قراءة المشهد سياسياً، علماً أن الزعامة الحقيقية تعني مدى قدرتك على تحقيق أهداف أتباعك، فهل تحققت مصالح الدروز وأهدافهم بعد ما قام به الهجري؟ وهل أصبحت علاقة الدروز مع أكثرية الشعب السوري أفضل؟ وكيف باتت نظرة 2 مليار مسلم في العالم إلى دروز السويداء بعد رفع العلم الإسرائيلي في مدينتهم. 

"قسد" ليست كتلة واحدة ولديهم خلافات فيما بينهم، كما أن الولايات المتحدة ليست الداعم الوحيد لها، لذا فقد تحتاج "قسد" بعض الوقت لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار الذي وقّع مع الحكومة السورية وبطلب أميركي لتهدئة الأوضاع بعد الحديث عن مجازر الساحل في ذلك الوقت. 

"قسد" لديها كمّ هائل من المشاكل الداخلية (بين العرب والكرد، بين الأحزاب الكردية والولاءات المختلفة...إلخ). 

الإصرار على تطبيق اتفاق 10 آذار بالحوار لا بقوة السلاح أمر إيجابي يمكن البناء عليه لإيجاد حل لهذه المشكلة، فحتى الآن "قسد" لم تتحوّل إلى معضلة.

أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الكرد هو لا مركزية إدارية موسعة، خصوصاً أن الكرد ليسوا أكثرية، بل تكاد نسبتهم تصل إلى الصفر في محافظة الرقة مثلاً التي تسيطر عليها "قسد". 

الحديث عن "حكومة الأمر الواقع" لا معنى له، خصوصاً أنه يصدر من قوى وفصائل هي ليست منتخبة أصلاً، فهل قيادات "قسد" انتخبت ديمقراطياً، وهل سلطة الهجري جاءت من صناديق الاقتراع.

كردستان العراق هي حليف إردوغان، والجميع يعرف العلاقة بين إردوغان والبارزاني، وهم نصحوا "قسد" بأن تتجه صوب دمشق، مشيرين إلى أن الحالة العراقية مختلفة عما يجري في سوريا. وبالتالي، فإن الأصوات الآتية من هناك والمحرضة ضد الدولة السورية لا قيمة لها من الناحية العملية. كما أن هناك مشاكل كبيرة في السليمانية، وبالتالي فإن الطالبانية لن تغير شيئاً جوهرياً في الواقع السوري.

تطور الخطاب السياسي لـ"هيئة تحرير الشام" أمر لافت، ويمكن وصفه بالبراغماتية مع قدر كبير من الحنكة السياسية. بينما نشهد تراجعاً في الخطاب السياسي لعدد من المثقفين السوريين المنادين بالعلمانية، ثم سقطوا في مستنقع الطائفية البغيضة محتمين خلف شيوخهم الذين يتمتعون بسطوة دينية واجتماعية كبيرة.

الجماعات الإسلامية هي مجموعات عابرة للحدود لا تؤمن بالدولة الوطنية، لذلك هي تثير قلق الغرب، من هنا جاء كلام الرئيس الشرع عن أنه لا يشكل امتداداً لهذه الجماعات.

اتساق الخطوات الداخلية والخارجية هو المعيار لنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا، لذا لا بدّ من العمل على تعزيز الجبهة الداخلية لسوريا عبر خطوات يتوجب على الحكومة اتخاذها بصفتها الوعاء الأكبر، والمسؤول عن طمأنة الجميع وتبديد مخاوفهم.

لدى الولايات المتحدة مصالح مع الحكومة السورية أكبر بكثير من مصالحها مع "قسد" أو الهجري، بل إن البعض يرى أن المصالح الأميركية مع سوريا الحالية تتفوّق على مصالحها حتى مع تركيا. 

انتقال سوريا إلى المعسكر الغربي سيغير شكل المنطقة سياسياً، كما سيسمح بتحقيق أهداف أميركا في مكافحة الإرهاب والقتال ضد "داعش" والحفاظ على أمن "إسرائيل"، شريطة أن تكون هناك موافقة إسرائيلية على ما يحصل.

الموقف الإسرائيلي يبدو مستغرباً ولا يمكن التنبؤ بمآلاته، فرغم صمت سوريا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وسعيها لتوقيع اتفاقية أمنية مع "إسرائيل"، لا تزال "إسرائيل" مستمرة في إحراج الحكومة السورية وإظهار عجزها عن لجم تلك الاعتداءات.

هذا الصمت بات يفسر على أنه حالة من العجز وإقرار بالانتصار والتفوّق الإسرائيليَّيْن، فلا يمكن للخصم أن يحقق انتصاراً عليك إلا إذا أقررت بهذا الانتصار، مهما كانت قوة الخصم ودرجة تفوّقه عليك.

باتت هناك خشية من أن "إسرائيل" قد تخوض ثورة مضادة ضد الحكومة الانتقالية في دمشق، خصوصاً أنها تخشى جوار "الحركات الجهادية"، بعد ما حدث من قبل حماس في معركة "طوفان الأقصى". 

الموقف العربي من الاعتداءات الإسرائيلية لا قيمة له ولا معنى، فالتنديد والاستنكار والشجب ثقافة عربية نتيجتها صفرية على أرض الواقع.

التعويل على الموقف الأميركي لمنع الاعتداءات على سوريا أمر ممكن، فالملف السوري مختلف عن غزة، يمكن للأميركيين الضغط فيه، سعياً للتوصل إلى اتفاقية أمنية بين دمشق و"تل أبيب".