الضفة الغربية في عين العاصفة.. قراءة في الأسباب والنتائج
ينظر البعض لتصاعد وتيرة العدوان على الضفة بأنه عبارة عن محاولة من رئيس الوزراء الصهيوني المأزوم لاسترضاء قوى اليمين المتطرّف في "إسرائيل"، والتي تهدّد صباح مساء خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في غزة.
-
ماذا يحدث في الضفة الغربية؟
قبل ثلاثة وعشرين عاماً تقريباً، وتحديداً في التاسع والعشرين من آذار/مارس من العام 2002، أصدر رئيس الوزراء الصهيوني السابق أريئيل شارون أوامره للبدء بعملية عسكرية واسعة ضدّ مدن ومحافظات الضفة الغربية المحتلة، مُطلقاً على عمليته تلك اسم "السور الواقي"، والتي اجتاحت بموجبها القوات الإسرائيلية كلّ مدن الضفة، بمشاركة أكثر من 30 ألف جندي، من قوات المشاة، وفرق المظليّين، ووحدات النخبة المختلفة، إضافة إلى أكثر من 200 دبابة وعربة مدرّعة، وطائرات مروحية هجومية، وغير ذلك من أسلحة ومعدّات.
في تلك العملية التي كانت لجنين ورام الله ونابلس حصّة الأسد فيها، دمّر "جيش" الاحتلال كلّ شيء، وقتل واعتقل المئات من الفلسطينيين، حتى وصل به الأمر إلى ضرب طوق خانق على مقر إقامة الزعيم الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله، وأبقاه محاصراً فيها حتى أواخر أيام حياته، التي تعرّض فيها لمحاولة اغتيال عن طريق السمّ، وهو الأمر الذي أدّى إلى استشهاده لاحقاً بعد ذلك بعامين ونصف العام تقريباً.
بعد انتهاء الحملة العسكرية في العاشر من أيار/مايو من العام نفسه، اعتقد العدو الإسرائيلي أنه حقّق جملة من الأهداف، كان من أهمها استباحة مدن الضفة، وإعادة احتلال معظمها، وتدمير البنية التحتية لتلك المدن بشكل شبه كامل، وتخفيض العمليات الفدائية إلى حدّها الأدنى ولو بشكل مؤقت،وترسيخ نمط جديد في التعامل مع الفلسطينيين، سمته الأساسية العنف المبالغ فيه، ضدّ مواطنين في غالبيتهم مدنيون وعزّل، من دون أن يستحقّ ذلك الإدانات المطلوبة، حتى من معظم الدول العربية،وصولاً إلى بناء جدار الفصل العنصري، الذي ترك آثاراً كارثية على العديد من المدن الفلسطينية على المستويات كافة.
إلّا أنّ الأوضاع على الأرض لم تكن كذلك، وذهبت الأهداف الإسرائيلية التي ادّعى أنه حقّقها أدراج الرياح، بعد أول عملية استشهادية استهدفت الحافلة رقم 32 في مدينة القدس المحتلة بعد توقّف العدوان بأربعين يوماً تقريباً.
اليوم تبدو الأوضاع في مدن الضفة المحتلة مشابهة إلى حدٍ كبير مع مثيلتها في تلك الفترة، مع بعض الاختلافات المهمة، والتي يمكن أن تكون مؤثّرة وذات تداعيات خطيرة ولا سيّما تلك المتعلّقة بسيطرة قوى اليمين الإسرائيلي المتطرفة على مقاليد الحكم في "الدولة" العبرية، ورغبة تلك القوى في تنفيذ مخططاتها التاريخية الداعية إلى فرض السيطرة الكاملة على كلّ أراضي الضفة الغربية، بحجة أنها أرض "إسرائيل" الخالصة، والتي كانت تقوم عليها بحسب زعمهم دولة اليهود، التي حملت اسم "يهودا والسامرة"، بالإضافة إلى عودة دونالد ترامب لتولّي منصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، وهو الذي يُعرف عنه تأييده الجارف للكيان الصهيوني، وإمكانية اتخاذه لخطوات قد تبدو صادمة وحاسمة تصبّ في مصلحة الكيان كما جرت العادة، ناهيك عن موقف معظم الأنظمة العربية والإسلامية المتخاذل والمشبوه، والذي لا يبدو أنه يمكن أن يشهد تحوّلاً لافتاً خلال مقبل الأيام، ولا سيّما في ظلّ التهديدات العلنية والمبطّنة التي سمعها قادة تلك الدول من الرئيس الأميركي، والتي كما يبدو حشرتهم في زاوية الدفاع عن كراسيهم وعروشهم، بدلاً من الالتفات لمصالح الشعوب،أو قضايا الأمّة المحقّة والعادلة .
على صعيد الأسباب ينظر البعض لتصاعد وتيرة العدوان على الضفة بأنه عبارة عن محاولة من رئيس الوزراء الصهيوني المأزوم لاسترضاء قوى اليمين المتطرّف في "إسرائيل"، والتي تهدّد صباح مساء خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في غزة بإسقاط الحكومة، وتفكيك الائتلاف، وهو ما يخشى منه نتنياهو ويحاول تلافيه بكلّ ما يملك من قوة، إذ إنّ أيّ سقوط للحكومة الحالية يعني بما لا يدع مجالاً للشكّ انتهاء حياته السياسية، ويفتح المجال على مصراعيه لمحاكمته وإدانته في قضايا الفساد المرفوعة ضدّه في القضاء الإسرائيلي.
سبب آخر قد يراه البعض مهماً ولا سيّما بعد الزجّ بسلاح الدبابات إلى شوارع مخيم جنين، وهو يتعلّق بمحاولة قادة "الجيش" الصهيوني على وجه الخصوص محو الصورة الكارثية التي علقت بأذهان الكثيرين ولا سيّما من المجتمع الإسرائيلي، والمتعلّقة بالسقوط الكبير صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر،والتي تشير التحقيقات الحالية التي تجري في أوساط "الجيش" إلى أنّ ما حدث فيها كان بمثابة سقوط مدوٍ وغير مسبوق، وكشف عن خلل هائل في معظم القطاعات العسكرية لـ "جيش" الاحتلال، وفي المقدّمة منها جهاز الاستخبارات العسكرية، إلى جانب كلّ الأجهزة الأخرى المعنيّة بالتدخّل في أوقات الطوارئ.
أما السبب الثالث والذي أراه من وجهة نظري أقرب إلى الحقيقة، فهو رغبة "الدولة" العبرية في استغلال وجود الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سدّة الحكم للقيام بما عجزت عنه خلال السنوات الماضية، وهو إعادة السيطرة العملياتية على بعض مناطق الضفة،وتحديداً تلك التي شكّلت لها صداعاً مزمناً خلال السنوات الثلاث الماضية، وشكّلت إحراجاً لكلّ أجهزة الأمن الإسرائيلية،وللمستويين السياسي والعسكري أيضاً،حيث تأتي على رأس تلك المناطق محافظة جنين بمخيمها الصامد، وطولكرم وفي القلب منها مخيم نور شمس، إلى جانب نابلس التي وإن شهدت بعض الهدوء مؤخّراً إلا أنها تبقى إحدى أهمّ المدن التي توجد في مخيماتها نواة صلبة للمقاومة الفلسطينية.
المدن الثلاث المشار إليها أعلاه كما كان الحال في عملية السور الواقي 2002 تحظى بحصة الأسد من العدوان، وتتعرّض لعملية تدمير وتهجير ممنهجة تهدف في الأساس لإحداث حالة من اليأس لدى سكانها، ولدفعهم لرفض المقاومة، وفكّ الارتباط معها، والانقلاب عليها، وهو ما كان يحدث بالتمام والكمال في مدن قطاع غزة خلال شهور الحرب والعدوان.
إلا أنه وبعيداً عن الأسباب الحقيقية للحملة العسكرية الإسرائيلية ضدّ مدن ومحافظات الضفة الغربية،وبغضّ النظر عن المدة الزمنية التي ستستغرقها والتي تبدو بأنها لن تكون قصيرة، فإنّ عملية عسكرية بهذا الحجم، ومع وجود قوى وتيارات دينية متطرّفة تدعمها، وتدعو إلى توسيعها لتشمل كلّ مناطق الضفة الغربية، بما يؤدّي في نهاية الأمر إلى فرض سيطرة كاملة عليها، فإنّ النتائج التي ستترتّب عليها يمكن أن تكون بالغة الخطورة ما لم يتمّ التصدّي لها،أو مجابهتها بالطرق والأدوات كافة التي يملكها الفلسطينيون،والذين يقع على كاهلهم عبء إفشال مخططات الاحتلال بجهدهم المباشر، وبعيداً عن أيّ انتظار لدور المؤسسات الدولية المتواطئة، أو الأنظمة العربية العاجزة، أو حتى للسلطة الفلسطينية المشغولة بملاحقة المقاومين واعتقالهم، في محاولة منها لتقديم أوراق اعتمادها لدى ترامب ونتنياهو، بما يؤهّلها لاحقاً لتسلّم مقاليد الأمور في قطاع غزة بدعم عربي ودولي وموافقة إسرائيلية كما يرغب البعض من دول الإقليم.
إحدى النتائج المتوقّعة ولا سيّما في حال توسّعت العملية العسكرية لتشمل باقي مناطق الضفة، هي انهيار وتفكّك أجهزة السلطة الفلسطينية، والتي وإن كانت تقدّم خدمات أمنية لا غنى عنها لـ "دولة" الاحتلال كما جرى في العملية الأمنية في مخيم جنين قبل أسابيع، إلا أنها تبقى بالنسبة لقوى اليمين المتطرّف في "إسرائيل" غير مرغوب فيها، ويُنظر إليها بأنها تُعطي الفلسطينيين بعض الشرعية للبقاء في مدنهم وقراهم التي تسعى الأحزاب الدينية الصهيونية للسيطرة عليها، وتحويلها إلى مستوطنات جديدة تجعل من حلم دولة "يهودا والسامرة " أمراً واقعياً.
صحيح أنّ بعض الظروف لم تنضج بعد لناحية تنفيذ هذا المشروع الخطير، إلّا أنّ ما يجري على الأرض خلال الأشهر الأخيرة في ظلّ عدم وجود مواقف دولية أو إقليمية حاسمة، يمكن أن يجعل منه أمراً قابلاً للتنفيذ وإن بشكل جزئي ونسبي.
ثاني النتائج التي يمكن أن نتلمّس ظهورها قريباً، ولا سيّما في حال انهيار السلطة، هو انفجار كلّ مدن ومحافظات الضفة في وجه المحتلّ، واشتعال انتفاضة شعبية ومسلّحة تقلب الطاولة على رأس "دولة" العدو، وفي المقدّمة منها قيادتها العسكرية والسياسية. وهذا السيناريو وإن كان بحاجة إلى صاعق تفجير من الوزن الثقيل، وهو ما يمكن أن نراه خلال شهر رمضان المبارك على سبيل المثال، خصوصاً في ظلّ إعلان الاحتلال عن تقييدات جديدة في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، فإنّ إمكانية وقوع مثل هذه الانتفاضة تبدو واردة وبشدّة، وهو ما حذّر منها بعض رؤساء أجهزة الأمن الإسرائيلية السابقين، والذين يرون في اشتعال الضفة من جديد أمراً بالغ الخطورة على أمن "الدولة" العبرية، وأنّ ما يقوم به "جيش" الاحتلال حالياً، يُعدّ مغامرة غير مأمونة الجوانب،ويمكن أن تؤدّي إلى ما لا يُحمد عقباه.
نتيجة ثالثة يرى البعض أنها آتية لا محالة خصوصاً في ظل تلكؤ الاحتلال بتنفيذ التزاماته فيما يخص وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بالإضافة إلى استمرار سيطرته على بعض المناطق في جنوب لبنان، وقيامه بالعديد من الاستفزازات هناك، هي عودة القتال إلى كلّ الساحات التي توقّف فيها مؤخّراً، واستئناف العمليات العسكرية بين فصائل المقاومة في غزة والإقليم من جهة، و"جيش" الاحتلال من جهة أخرى، إذ إن تصاعد العدوان على مدن الضفة، والاستفزازات والتقييدات المُتوقّعة على المسجد الأقصى في مقبل الأيام، إلى جانب عدم البدء في مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة في غزة، قد تدفع الأمور إلى الانفجار من جديد، وهو ما يرغب فيه نتنياهو وائتلافه المتطرّف، والذي يضع مصلحته الشخصية، والحفاظ على مستقبله السياسي في مقدّمة الأهداف التي يسعى للوصول إليها في هذه المرحلة.
على كل حال، وبعيداً عن الغوص أكثر في توقّع النتائج المترتّبة على توسّع العدوان على مدن الضفة الغربية المحتلة، والتي يمكن أن تتحوّل إلى ساحة المواجهة الرئيسية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، فإن إمكانية حسم العدو الصهيوني للمعركة هناك بالطرق العسكرية أو من خلال المشاريع والخطط السياسية تبدو غير واردة، إذ إنّ الكوابح التي تقف في وجه الاندفاعة الإسرائيلية كثيرة ومتعدّدة، وفي المقدّمة منها حيوية وثبات الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة، والتي استطاعت خلال السنوات الماضية مفاجأة الاحتلال على أكثر من صعيد، وإفشال الكثير من الخطط التي كان يسعى لتنفيذها، بل وإرغامه على تبنّي خطط دفاعية مثل إقامة الجدر العازلة، وتعزيز الأمن حول مستوطناته غير الشرعية.
في العاشر من نيسان/أبريل من العام 2002، وبينما كانت الدبابات والجرّافات الصهيونية تهاجم مخيم جنين،خرج الشاب راغب جرادات الذي لم يُكمل حينها العقد الثاني من عمره من قلب الدمار، ومن بين الأنقاض، ليفجّر جسده النحيل في باص يقلّ جنوداً صهاينة في مدينة حيفا المحتلة، موقعاً العشرات منهم بين قتيل وجريح، في عملية هزّت أركان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفتحت الباب على مصراعيه حول جدوى الهجوم العسكري في ذلك الوقت.
ربما تبدو الأمور في مقبل الأيام مواتية لتكرار السيناريو نفسه، إذ إنّ هذا الشعب الذي رفض خلال أكثر من 76 عاماً من عمر الاحتلال الاستسلام أو الخضوع، يملك كلّ المؤهّلات والإمكانيات التي تجعله قادراً على إسقاط مخطّطات العدو، حتى لو وقفت إلى جانبه كلّ قوى الشرّ في العالم، والتي لن تستطيع مهما امتلكت من قدرات، إرغام شعبنا على التخلّي عن أرضه ومقدّساته، والتي دفع في سبيل الدفاع عنها أثماناً باهظة، وهو مستعدّ أن يواصل هذه المسيرة المعبّدة بالدماء والأشلاء مهما بلغت التضحيات.