الحدود العراقية السورية: منظومة دفاعية على طول الجدار الخرساني
الجدار الخرساني على الحدود مع سوريا هو إعلان عراقي بأنّ مرحلة الفوضى المفتوحة قد انتهت؛ وأنّ التحكّم بالمنافذ الحدودية بات جزءاً من معادلة حماية الدولة واستقرارها.
-
الجدار يبدو استجابة واقعيّة لتغيّرات البيئة الأمنية في الشرق الأوسط.
يمثّل مشروع الجدار الخرساني الذي ستنتهي بغداد من إكماله قريباً على طول الحدود مع سوريا؛ منعطفا أمنياً وسيادياً يختلط فيه السياسي بالعسكري، وتتشابك ضمنه ذاكرة السنوات الصعبة منذ 2014، مع هواجس المستقبل الباحث عن استقرار مستدام.
فالعراق الذي دفع ثمناً باهظاً؛ حين اخترقت حدوده عصابات "داعــــــش" الإرهـــــابية الزاحفة من دير الزور نحو الموصل؛ يعرف أنّ أيّة ثغرة صغيرة، قد تتحوّل إلى كارثة جديدة، وأنّ كلّ ثغرة من الأرض غير مُسيطر عليها؛ يسهل أن يُستعان بها من قبل شبكات تهريب معقّدة أو خلايا إرهابية نائمة.
لذلك يبدو الجدار بمثابة إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر صرامة في إدارة الحدود الدولية، إذ يتشكّل الجدار على امتداد أكثر من ستمئة كيلومتر بارتفاع ثلاثة أمتار مدعوماً بخنادق ترابية بعمق يصل إلى أربعة أمتار وبعرض سبعة أمتار مع سواتر وأسلاك شائكة وأبراج مراقبة وكاميرات حرارية ومفارز استطلاع تعمل على مدار الساعة، وهذا كلّه يُشبّهه المتخصّصون العسكريون بمنظومة دفاعية متعدّدة الطبقات، لا مجرّد سور أسمنتي تقليدي.
فالقرار الأمني الذي دفع بغداد لتسريع المشروع منذ مطلع 2024 لم يكن قراراً هندسياً بقدر ما كان تقديراً استراتيجياً مبنياً على معطيات ميدانية ومعلومات استخبارية، حول احتمالات إعادة تشكّل طرق التسلل من خلال البادية السورية في ظلّ التحوّلات داخل المشهد السوري نفسه؛ بما فيه تبدّل موازين السيطرة في مناطق الشرق والشمال وعودة نشاط شبكات الإرهـــاب والتهريب التي تتحرّك على وفق مصالح عابرة للحدود، ولا تعبأ باستقرار الدول أو أمن المجتمعات.
ويكشف المشروع عن بعد آخر لا يقلّ أهمية وهو البعد الاقتصادي والإداري؛ فالاعتماد على مصنع عسكري ـــــ عراقي في ربيعة لإنتاج الكتل الخرسانية الثقيلة بدلاً من التعاقد مع القطاع الخاص، خفّض التكاليف إلى مستويات تقارب عُشر تكلفة الشركات التجارية، ما سمح بتغطية مئات الكيلومترات بسرعة أكبر وبأعباء مالية أقلّ؛ ولا سيما في محافظة نينوى التي شهدت بناء أكثر من مئتين وخمسين كيلومتراً بتكلفة بلغت نحو ثلاثين مليار دينار.
وهذا ما يشير إلى تحوّل لافت في فلسفة إدارة المشروعات الدفاعية باتجاه التصنيع المحلي وتقليل الهدر وسيطرة الدولة على تفصيلات السلسلة اللوجستية من الإنتاج وحتى النقل والنصب الميداني، كما أنّ التنظيم العسكري عند النقطة نفسها التي اجتاح منها "داعـــــش" العراق عام 2014 بمشاركة مئات الآليات والمدرّعات والعناصر يضيف معنى رمزياً؛ فالمكان الذي شهد أكبر اختراق في تاريخ الحدود العراقية؛ يتحوّل اليوم إلى منصة لإظهار قوة الدولة وقدرتها على سدّ ما كان يوماً ممراً للفوضى، وهو مشهد يحمل رسالة سياسية لكلّ الأطراف، بأنّ العراق يطوي صفحة الماضي من خلال أدوات عملية لا بيانات طارئة.
وبالنظر إلى السياق الإقليمي؛ فإنّ الجدار يبدو استجابة واقعيّة لتغيّرات البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. فحدود العراق مع سوريا تمثّل في الوعي الاستراتيجي لبغداد واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية بحكم امتدادها في صحراء مفتوحة وتداخلها مع مناطق نفوذ متعدّدة القوى داخل سوريا، من قوات حكومية، وفصائل محلية، وقوات دولية، أضف إليها مشروع "إسرائيل الكبرى" وممر داوود الذي سيعبر هذه الحدود حتى يخترق وسط العراق الغربي "لا قدّر الله".
لذلك فإنّ بناء جدار صلب مدعوم بتكنولوجيا مراقبة متقدّمة يهدف إلى تحويل هذه الحدود من عبء أمني مرهق إلى خط دفاع قابل للإدارة والرصد والسيطرة. كما أنّ إغلاق طرق التهريب لا يحمي الداخل العراقي فقط؛ بل يمنح بغداد قدرة أكبر على ضبط حركة التجارة الرسمية وتنظيم منافذ العبور بطريقة تسهم في تقليل الاقتصاد الموازي الذي ظلّ يستنزف موارد الدولة لسنوات طويلة.
وإذا استقرأنا التجارب المشابهة في المنطقة يتضح أنّ الجدران الحدودية ليست دائماً حلاً نهائياً؛ لكنها تصبح أكثر فاعلية كلما اندمجت ضمن فلسفة أمنية تجمع بين التحصين المادي والمعلومات الاستخبارية والعمل الميداني والتنسيق الإقليمي، وهذا ما يبدو أنّ العراق متجه إليه اليوم؛ إذ يجمع بين حفر الخنادق وبناء السواتر ونشر الكاميرات الحرارية وتكثيف الدوريات البرية والجوية ومن ضمنها قوات الحــشـد الشعبي، فضلاً عن استحداث منظومات اتصال موحّدة تربط جميع المفارز الحدودية مع غرف قيادة مشتركة في نينوى والأنبار وبغداد وهو ما يجعل الجدار جزءاً من منظومة أكبر لا مجرّد خط أسمنتي في الصحراء.
وتكشف القراءة الاستقصائية لحجم العمل المنجز أنّ بغداد تتعامل مع حدودها الغربية بوصفها ملفاً وجودياً لا مجرّد ملف أمني؛ فنجاح هذا المشروع سيعني تقليصاً لمساحات المناورة بين الجماعات المتطرّفة وداعميها، وإغلاقاً لطرق التهريب التي تُدرّ أرباحاً كبيرة على شبكات منظّمة بعضها عابر للحدود، وسيعني كذلك تعزيزاً لسيادة الدولة في منطقة لطالما شكّلت تحدّياً للأمن العراقي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى مرحلة ما بعد "داعـــــش"، كما يمنح العراق مساحة أوسع، لإعادة تأهيل البنية التحتية الحدودية وإطلاق مشروعات تنموية في مدن مثل (ربيعة والقائم وأخواتها) بعدما كانت هذه المناطق تعيش تحت ضغط المخاطر المتواصلة إلى مناطق أشبه بالسوق الحرّة.
إنّ الجدار الخرساني على الحدود مع سوريا هو إعلان عراقي بأنّ مرحلة الفوضى المفتوحة قد انتهت؛ وأنّ التحكّم بالمنافذ الحدودية بات جزءاً من معادلة حماية الدولة واستقرارها، وهو مشروع لن يتحوّل إلى مجرّد بناء ماديّ إذا استمرت بغداد في دعمه بمنظومات مراقبة واستخبارات واتفاقيات تعاون تتناسب مع تعقيد المشهد السوري المتغيّر باستمرار، ومع ذلك يبقى الإنجاز الأكبر في كون العراق يتعامل مع أمنه اليوم على وفق رؤية طويلة المدى؛ لا على وفق ردود أفعال ظرفيّة، فالجدار ليس نهاية بقدر ما هو بداية لإعادة هندسة الأمن الحدودي، بطريقة تمنح بغداد وقتاً ومساحة لإعادة بناء مناطقها الغربية، وخلق بيئة أكثر استقراراً على مدى السنوات المقبلة.