بعد انفجارات "تل أبيب".. مآلات المواجهة في الضفة الغربية المحتلة

تخشى قيادة الاحتلال من تكون عملية "تل أبيب" المحتلة مقدّمة لتصاعد مستوى المواجهة، في الضفة الغربية المحتلة، كرد فعل على عدوانه الواسع على الضفة، وانعكاس للآثار التي تركتها حرب الإبادة على غزة.

0:00
  • تدفع الأقطاب الإسرائيلية المتطرفة إلى توسيع الحرب وتعميقها وتكثيفها على الضفة الغربية.
    تدفع الأقطاب الإسرائيلية المتطرفة إلى توسيع الحرب وتعميقها وتكثيفها على الضفة الغربية.

انفجرت عبوات ناسفة في 3 حافلات إسرائيلية في مدينة "تل أبيب" المحتلة في هجوم كان يمكن أن ينتهي بمقتل العشرات، لكن العبوات انفجرت والحافلات خالية أو ربما انفجرت قبل موعدها أو اكتشفت قبل التنفيذ المخطط، حسب تسريبات إعلامية إسرائيلية، بيد أن النجاح في التخطيط والفشل في التنفيذ لا يقلل من حجم العملية وتداعياتها، إذ تعاملت معها الأوساط الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية على مستوى عالي من الخطورة والتهديد كونها أعادت تكرار المشاهد التي شهدتها "إسرائيل" في أيام الانتفاضة الثانية، للباصات المحترقة وعشرات القتلى والمصابين من جرّاء انفجار عبوات ناسفة وهجمات فدائية متواصلة، ويدل عدد العبوات، التي كانت معدّة للانفجار في وقت واحد في عدد من الساحات، على قدرة عالية على التخطيط لهجوم مركّب.

في ضوء الحالة الهشة لوقف إطلاق النار في غزة، وخصوصاً في ظل قرب نهاية المرحلة الأولى من الاتفاق، وتعليق الحكومة الإسرائيلية تحرير الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين بحجج واهية ترجع لحسابات داخلية إسرائيلية، تدور مواجهة متصاعدة في الضفة الغربية المحتلة، لا تخلو من الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية نفسها، بل تقع في صلب عملية صنع القرار الإسرائيلي تجاه الضفة الغربية المحتلة، بيد أن المقاومة في الضفة لا تعير تلك الحسابات اهتماماً كبيراً وتركز على سبل تدفيع الاحتلال الإسرائيلي ثمن عدوانه المتكرر والعنيف على الضفة الغربية، لا سيما على المخيمات الفلسطينية المحتلة في جنين وطولكرم ولاحقاً، على ما يبدو، باقي المخيمات.

تدفع الأقطاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة منذ بدء الحرب على قطاع غزة إلى توسيع الحرب وتعميقها وتكثيفها على الضفة الغربية المحتلة، بذريعة إجهاض تكرار سيناريو السابع من أكتوبر، وعلى الرغم من إدراك القيادة الإسرائيلية عدم القدرة الفلسطينية على تكرار عملية "طوفان الأقصى" في الضفة.

بيد أن المستويين السياسي والعسكري يسعيان لاستغلال الدعم الأميركي المطلق بقيادة دونالد ترامب لتنفيذ عمليات كبيرة، تقود إلى فرض وقائع جديدة على الأرض تمهيداً لتطبيق خطة الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، خصوصاً أن وزير المالية الإسرائيلي وزعيم حزب "الصهيونية الدينية" بتسلئيل سموتريتش، لديه خطة جاهزة، تجاه الضم، سمّاها "خطة الحسم"، ويدفع الأخير حكومته إلى تسريع وتيرة العدوان على الضفة ومضاعفته على غرار العدوان على غزة ولبنان، ليشمل عمليات متكررة وأياماً قتالية، وخصوصاً في شمال الضفة، مع آلاف الاعتقالات، واغتيال عدد كبير من المقاومين، وتهجير المواطنين وتدمير المنازل والبنية التحتية، وغيرها من أوجه العدوان.

على الرغم من قوة البطش الإسرائيلي خلال العملية العسكرية ضد الضفة الغربية المحتلة والتي أطلق عليها اسم "الأسوار الحديدية"، فإن المقاومة الفلسطينية لم تخضع أو تستسلم، بل نجحت في التصدي والدفاع من جهة، ونجحت في التخطيط والهجوم من جهة أخرى، ونقلت جزءاً من المعركة إلى الداخل الفلسطيني المحتل، على غرار عملية تفجير العبوات الأخيرة، الأمر الذي زاد من حالة الرعب والخوف لدى الجمهور الإسرائيلي، كما عزز من الهواجس والشك تجاه القدرات الاستخبارية والأمنية في إحباط العمليات قبل وقوعها، ما أعاد تذكير الإسرائيليين بإخفاقات السابع من أكتوبر.

كعادتها، لم تشفع العملية الأمنية للسلطة الفلسطينية على مخيم جنين قبل عملية الاحتلال العسكرية " الأسوار الحديدية"، وحمّل الاحتلال جزءاً من المسؤولية عن عملية "تل أبيب" للسلطة واتهمتها أوساط مختلفة بالضعف وعدم القدرة على مواجهة المقاومة تارة، وعدم الرغبة والدافعية تارة أخرى، وأحياناً تتهم "بالتآمر" والتعاون بل والمشاركة في عمليات المقاومة.

وتسعى الأحزاب الأكثر يمينية لـ"شيطنة" السلطة لأنها ببساطة تضع كل ما هو فلسطيني في بوتقة واحدة بصرف النظر عن توجهاته السياسية والفكرية، كما أنها تعد السلطة إحدى الأدوات الناعمة التي تواجه سردية "إسرائيل" على مستوى المؤسسات الدولية الرسمية، بالإضافة إلى أنها لا تريد أي كيانية فلسطينية رسمية تحظى بالشرعية الدولية أو تشكل نواة لدولة فلسطينية مستقبلية، حتى لو كانت هذه الكيانية منخرطة في التنسيق الأمني مع الاحتلال، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول مصير السلطة الفلسطينية في ضوء تراجع شرعيتها الوطنية والشعبية وتصاعد العدوان الإسرائيلي والمقاومة من جهة، وسعي اليمين الصهيوني المتطرف للتخلص منها، وانسداد الأفق السياسي من جهة أخرى.

تخشى قيادة الاحتلال الإسرائيلي، من أن تكون عملية "تل أبيب" المحتلة مقدمة لتصاعد مستوى المواجهة، في الضفة الغربية المحتلة، كرد فعل على عدوانه الواسع على الضفة وانعكاس للآثار التي تركتها حرب الإبادة على غزة. وتقدر الأوساط الأمنية الإسرائيلية أن وتيرة المقاومة ستتزايد مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ما قد يفرض على القيادة الإسرائيلية التفكير في استعادة أساليب التحصين المسلح للحافلات، وزيادة الحراسة الأمنية على الأماكن العامة ومحطات انتظار الجنود وغيرها، بالإضافة إلى السلوك القائم في الضفة من زيادة عديد القوات المنتشرة، بما يشمل المدرعات بهدف إرسال رسائل الردع والتخويف، وتكثيف عمليات التهجير والتدمير والاعتقال والاغتيالات، بيد أن الأساليب الإسرائيلية كافة لم تنجح سابقاً في وأد المقاومة بل على العكس زادت من وتيرتها، كما أن المواجهة الحالية مرشحة للتصاعد من دون أن ينجح الاحتلال في إخضاع المقاومة، وحتى لو كان الثمن باهظاً.